حديث الشيــــــخ ! - ::: مـنتدى قبيلـة الـدواسـر الـرسمي :::

العودة   ::: مـنتدى قبيلـة الـدواسـر الـرسمي ::: > :::. أقسام ( دغــش الــبـطــي) الأدبـيـة .::: > :: قسم القـــصص والروايـــات ::

إضافة رد
انشر الموضوع
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 10-07-2005, 08:04 PM   #3
 
إحصائية العضو







هند غير متصل

هند is on a distinguished road


افتراضي



( الجــــزء الثالث )

نداء الروح

قال محمد بن إسحاق بن حسن الموصلي :
خرج يسار من بيته الذي يحاذي النهر قبل نداء الفجر ، وسار في طريقه إلى المسجد ، هذه صفحة جديدة قد انفتحت في سجل الوجود ، هذا يوم جديد ، إنه يستمع إليه ، وكأنه يتحدث حديث الروح للروح .. أنا يوم جديد ، وعلى عملك شهيد فتزود مني .. فإني لا أعود إلى يوم القيامة .
كانت الريح باردة ، وشديدة ، تُمزِّق بعض الهدوء المخيِّم على الكون وقد أحاطت بالقمر دائرة بيضاء واسعة تحميه من هوج الرياح . وانطفأت بعض الفوانيس ، وما بقي منها أخذ يعاني أنفاسه الأخيرة .
كان يسير ولسانه لا يفتر عن ذكر الله ، كان يشعر بجلال هذا المنظر وبرهبة تسري في كيانه .. أنه يذكِّره بالآخرة .. كل شيء في هذا الوقت يذكِّره بالآخرة ، حتى الحارس الذي انزوى في الركن القصي من الزقاق وقد التف بعباءته وكوَّم نفسه على دكة بيت القاضي . البيوت الساكنة الساكتة ، والنوافذ المغلقة ، والشارع الصامت ..
وترامى إلى سمعه من جهة النهر ، صوت فتى ركب زورقًا ، وراح يضرب بمجدافه ويغني غناء حزينًا تتجاوب أصداؤه مع أمواج النهر ، وتحمله الريح الباردة ، ويستمع إليه الكون في صمت خاشع . كان يردد على أوتار قلبه المعنى : (( يا رب يا عالمًا بالسر يا ربي )) يردد هذا الشطر كثيرًا ، ثم يتبعه بشطر آخر لم يتبين يسار من كلماته إلا الكلمة الأخيرة (( ... ذنبي )) .
ومضى يسار يستمع إلى حديث الفجر ، المُضمَّخ بأنفاس الآخرة ، وتعجَّب كيف ينام الناس في هذا الوقت ؟ كيف لم ينهضوا فيرتشفوا من سر الصباح حياة تعمر حياتهم ، ونورًا يضيء نفوسهم وحكمة تضعهم على باب الحقيقة الخالدة ، التي كتب عليها بمداد السماء } منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى { .
في هذا السكون الشامل ، والمنظر الرهيب ، وصوت الفتى الحزين ، تذكَّر يسار حديث الشيخ عن الآخرة ، كان ينصت إليه بكل جوارحه ، والشيخ يصف الآخرة وصفًا كأنَّه رآها بعينيه ، كأنه اطَّلع على كل ما فيها ثم جاء يحدثنا ولسان حاله يقول : أنا النذير العريان . لم ير الشيخ يبكي في يوم من الأيام ، ولا يخرج عن حاله ، ولكنه كان يشعر من خلال صوته ، من اهتزاز نبراته ، من شدة تأثره ، كأن الدموع تنزل من قلبه ، كأنه يبكي بصمت .. أما هو .. الشاب المرهف الرقيق الحس ، الذي يتفجر قلبه بالعواطف فلا يستطيع أن يتمالك نفسه من البكاء ..
كان حديث الشيخ يبدأ بعد صلاة الفجر ، وكان لا يزيد على دقائق معدودات ، وكان يهز القلوب ، يملؤها ، ويحرك النفوس إلى طاعة الله ، إلى معرفة الطريق إلى الله .
كان يبدأ حديثه هادئًا هدوء الفجر طريًا نديًا ، جميلاً جديدًا جادًا ، لا يتكلف ، ولا يأتي بالغريب ، ولا يذهب مذاهب الوعَّاظ والمعلمين ..
كانت كلماته تسري إلى نفوس مريديه فتنجذب إليه ، تهفو لسماعه وترغب في المزيد ، يود الواحد منهم لو يقول له : لا تتوقف يا شيخ .. لا تُنه حديثك ..
ولكنهم لم يكونوا يقولونها ؛ لأنهم يعلمون أن الشيخ يرى أن ما حدَّثهم فيه الكفاية ، وسوف يواصل حديثه غدًا ، وفي مثل هذا الوقت .
لقد عاش يسار هذه المعاني الإيمانية ، وامتلأت بها نفسه ، ووقف على باب قلبه يرد عنه كل طارق غير الله ، فنشطت أعضاؤه إلى طاعة الله ، وازدانت نفسه بالإيمان ، الإيمان الذي يضيء القلب ، وينعش الروح ويخلع عنها أردية الكسل والخمول ، ويضفي عليها حلل البهجة والراحة والسرور .
وكانت قراءة الإمام ، وهو يؤم المصلين ، حزينة مترسِّلة ، وفي صوته رعشة تهز القلوب . وقناديل المسجد التي تنشر نورًا خافتًا دافئًا ، والجدران السميكة البيضاء ، والأعمدة الصاعدة الصامتة وكل حجر ، كل نأمة ، كل شيء .. كل شيء .. كأن جبريل قد نزل في تلك الساعة يتلو بصوته الملائكي } إن قرآن الفجر كان مشهودًا { .
قال أبو الحسن الورَّاق :
وبعد صلاة الفجر جلس الشيخ يتحدث .. بعد تلك الرحلة السماوية التي استمد فيها المصلون من السماء سببًا إلى السماء . جلس الشيخ يتحدث عن يوسف الصديق ، الفتى الذي ضرب مثلاً أعلى في الصبر عن المرأة المغرمة العاشقة الوَلْهى . وأخذ يصف ثباته وعِفَّته ، وخشيته لله ، ومراقبته له ، وتعبُّده وتصوُّنه ..
كان يتكلم بأسلوب القرآن الواضح البليغ ، وبعرضه التصويري البديع ، كانت أنفاس الكتاب الكريم تعبق من أنفاسه ، وشذى السلف الصالح ونسيم ريَّاهم من نسيمه .. وكل مُريد يشعر أنه يوسف نفسه .
قال : ومما يزيد في تأثير حديث الشيخ ، مكانته في نفوس مريديه ، وسطوع حجته ، ونبرات صوته ، وحسن إلقائه ، ومحكم إشاراته ، وكانت عيونه تنطق بالحب لكل واحدٍ منهم ، كان يشعر كل واحد بأنه يهتم به وحده ، دون غيره ، يهتمُّ بشؤونه وشجونه .. فتتفتح نفس المريد ، ويصارح الشيخ بما لم يصارح به أحدًا من الخلق ، والشيخ يصغي إليه ، ثم يشير عليه ، ويثبته ويرشده ، ويأخذ بيده ، يُعينه على مواصلة السير في قافلة الإيمان ..
قال أبو العرفان : كان يسار يتردد بين حين وآخر على سوق العطَّارين ، وإلى هذا السوق تُجلب أجود أنواع العطور في الدنيا ، ويؤمَّه الرجال والنساء من شتى الأجناس . ولا شيء يستهوي النساء ، وخاصة الأعجميات ، كهذا السوق .. وهو أول ما يستهوي الوفود القادمة من بلاد الروم والترك وفارس والهند ، ومن بلاد الحبشة .. وبلاد أخرى بعيدة لم نسمع بها ..
وسوق العطَّارين .. يمتاز بالأناقة والنظافة والجمال ، فيه الدكاكين الصغيرة المتناسقة ، التي زينت واجهاتها وعني بمظهرها .. والمصابيح الملونة ، وقوارير العطر ، وشدات الورد .
وكان يسار يتردد على دكان العطَّار أبي علي الأصفهاني ، ومنه يشتري العطر الذي يستعمله .. وهو يقول : إن النبي - e - كان يحب الطيب .
وبعد مضي أسبوعين على محاولة الجارية ، وفي عصر الأربعاء من نهار مشمس جميل ، أقبل يسار على أبي علي الأصفهاني ، وكان هذا قصيرًا سمينًا ، قد أعفى لحيته وخضبها ، وكان لا يكف عن الحديث عن العطور التي يبيعها وأنواعها وجودتها ..
وما هي إلا هَنَيْهة ، حتى أقبلت الجارية ، والخادم مريد يسير إلى جانبها ووقفت على دكان أبي علي العطَّار ، وراحت تسأله باللغة الفارسية عما لديه من العطور ، دون أن تلتفت إلى يسار .. أما مريد فإنه ألقى التحية عليه ، ووقف ينتظر .
واحتفل العطَّار بها ، وأخذ يعرض عليها نماذج كثيرة ، وهي ترفضها بإشارة من يدها ، ولم يبد على يسار أي اهتمام بالجارية ، ولكنه انتبه بعد ذلك عندما سمع العطَّار يقول باللغة العربية ، وهو يعرض عليها نوعًا من العطر :
- إنه أجود أنواع العطور يا سيدتي ، إن يسارًا يستعمله .
أليس كذلك يا سيدي ؟
ولم يجب يسار ، ولم يرفع إليها نظره .
أما الجارية ، فقد التفتت إليه ، وألقت عليه نظرة سريعة ، ثم عادت تخاطب العطَّار ، وقد غيرت من أسلوبها وحركاتها وقالت :
- لقد ذكرت لي مرة أن لديك نوعًا من العطر الصيني ..
فهزَّ العطار رأسه وقال بأسف :
- لقد نفذ يا سيدي .. لم يبق منه شيء .. أتدرين يا سيدتي .. إنه يستخرج من زهرة الحياة ، إنها زهرة تنبت على الهضاب الزرقاء في بلاد الصين ، إن أوراقها يا سيدتي تجلب الشفاء .. إنها ..
وانتبه العطَّار .. إن الجارية لم تكن تنظر إليه ، ولا تستمع لحديثه ، كانت تنظر خِلْسة إلى يسار .. إلى الفتى الذي ضاق بحديث العطار ، والذي سمعه منه مرات ومرات .. هذا هو الفتى الذي حدَّثها عنه حبيب بن مسعود ، إنه لم يتجاوز في وصفه ، بل لم يبلغ في وصفه ..
وتنحنح العطَّار وهو يرفع يده يعدل عمامته .. وقال :
- انتظري لحظه ..
ثم خرج من دكانه وهو يقول :
- سأجلب لك من آخر السوق .


يتبع ...


 

 

 

 

 

 

التوقيع

    

رد مع اقتباس
قديم 11-07-2005, 06:15 PM   #4
 
إحصائية العضو







هند غير متصل

هند is on a distinguished road


افتراضي




تابع .. الجزء الثالث .،

وهمَّ يسار بالانصراف ، فلم يكن يرغب في البقاء طويلاً في مثل هذا السوق ، ولم يكن يلبث إلا بمقدار ما يتناول حاجته من العطر ثم يعود سريعًا ..
قال أبو العرفان : فالتفتت إليه الجارية وقالت بصوت ناعم :
- إنني متأسفة يا سيدي .
والتفت إليها ، ولم يكن قد وقع عليها نظره حتى هذه الساعة ، فلما التقت العينان ، أسبلت جفونها في خفر العذارى ، وقالت بصوت هامس :
- إنني متأسفة يا سيدي .. لم أستطع أن أكتب مشكلتي .. ليتك تسمعها . فغض بصره ، وقد تذكر الرقعة التي حملها إليه مريد ، وقال :
- تكلَّمي :
قالت .. وبصوت كأنين الوتر الحزين :
- الآن يا سيدي ؟
قال ، ودون أن يلتفت إليها ، أو يرفع نظره مرة أخرى :
- نعم .
قالت .. وهي تحاول أن تجره للحديث :
- هنا في السوق ؟
قال : نعم .
وعاد العطَّار وهو يمسح جبينه من العرق وينفخ ، وقال متعذرًا :
- لم يبق لديه شيء يا سيدتي .
وتنهَّدت الجارية وقالت :
- سأعود مرة أخرى .
ثم انصرف بعد أن ألقت على يسار نظرة ، جعلته يطرق خجلاً .
ثم انتبه إلى صوت العطَّار يقول :
- إن هذه الجارية ليست فارسية .
والتفت يسار ، وكأنه يسأله .. فأضاف العطَّار قائلاً :
- إنها ليست فارسية .. علمت ذلك من لهجتها .
قال أبو العرفان : أبو علي العطَّار أعلم بلهجات القوم من غيره .
قال أبو الحسن الورَّاق : لم تنل الجارية من يسار ، إلا كما ينال التراب من السحاب ، كيف لا .. وهو الفتى الذي لم يترك ثغرة ينفذ منها الشيطان إلى نفسه إلا أغلقها .
وعندما عاد تلك الليلة ، بعد صلاة العشاء ، وقبل أن يقف للصلاة لقيام الليل ، خيل إليه كأنه يسمع همسة ، أو لحنًا ، أو صوتًا أليفًا ..! ولم يفكر في ذلك ، وإنما انصرف إلى صلاته ، لا يشغله عنها شاغل ، فالليل مركب الصالحين ، ومطيَّة العباد ، وأقرب ما يكون العبد من ربه في جوف الليل .
وبعد أن صلى ثماني ركعات ، وختمها بصلاة الوتر ، استلقى على فراشه ، وأخذ يردد بصوت خافت خاشع .. باسمك ربي وضعت جنبي ، وبك أرفعه ، إن أمسكت نفسي فاغفر لها ، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين .. وقبل أن يلفه النوم بين أحضانه ، تذكر أين سمع ذلك الهمس ، أو اللحن .. سمعه عصر اليوم ، عند دكان العطَّار ، سمعه من الجارية الفارسية التي ذكرت أن لديها مشكلة تريد أن تعرضها عليه .
وأسرع يسار فصرف هذه الخواطر ، وشعر أنها دخيلة عليه ، دخيلة على محرابه الآمن الذي تعمره التقوى ، إنها ليست من مدد السماء . وانتقل إلى جو الآية التي كان يرددها أثناء الصلاة : } إن لدينا أنكالاً وجحيمًا وطعامًا ذا غصة وعذابًا أليمًا { . كل هذا العذاب ينتظر الإنسان الضال ، الإنسان الآبق من رحمة الله ! إن الناس نيام ، فإذا ماتوا انتبهوا . وتدحرجت دمعة كبيرة على خده ، وتبعتها دموع ، حتى بلَّلت الوسادة ، ثم راح في نوم هادئ عميق .
الرسالة

قال محمد بن إسحاق بن حسن الموصلي :
في مساء يوم الثلاثاء ، في الأسبوع الذي تلا لقاء الجارية يسار في سوق العطَّارين ، انعقد المجلس في بيت حكيم بن محمود ، كانت غرفة الاستقبال التي أعدت للطرب كبيرة واسعة ، مضاءة بعدد من الشموع الطويلة البيضاء ، وقد أحالت الليل إلى مثل النهار ، وكانت الستائر الشامية موشَّاة بالخيوط اليمانية ، وقد رتب الأثاث بشكل بديع ، ووقف طير الببغاء على رفٍ مرتفع وراح يردد بعض الأصوات والكلمات التي يسمعها من الحاضرين !
قال أبو العرفان : وكان أبو محمود يروح ويجيء ، وهو يلقي بالنكتة اللطيفة ، فيقهقه سيعد بن منصور ، وتطوق فم حسَّان ابتسامة خفيفة ، أما حبيب بن مسعود ، فقد جلس كعادته في بدء اللقاء ، معتمدًا على المائدة بكوعه ، محتضنًا وجهه براحتيه ، وقد خيَّم عليه ما يشبه الحزن .
فالتفت إليه حسَّان بن معيقيب وقال له :
- مالك يا ابن مسعود ؟ إنك في كل مرة نلتقي بها تبدأ حزينًا كئيبًا كأن هموم الدنيا قد نزلت على رأسك ، فإذا بدأنا اللهو والشراب كنت أغرقنا لهوًا وعربدة !
فضحك حبيب بن مسعود ضحكة تشبه النحيب .. وقال وهو يعتدل في جلسته ويطلق زفرة حارة .
- كالطير يرقص مذبوحًا من الألم .
وهمست الجارية :
- من الذي ذبحك يا حبيب ؟
فلم يبد عليه أنه سمع سؤالها ، ولكنه أشار إلى حسَّان وقال :
- اسمع يا حسَّان .. لقد كنت قبل أن ألتقي بحكيم ، قبل أن يعود من رحلته الأخيرة إلى بلاد شارلمان ، كنت أسير في الطريق المعبَّد ، كنت مع يسار ، أتردد على مجالس العلم ، وأصلي الأوقات في المسجد .. حتى صلاة الفجر .. وفي مثل هذا البرد ، كنت أستيقظ فأتوضأ بالماء البارد وأنا لا أشعر ببرودته ، وأذهب إلى المسجد ، كنت أحيا حياة أخرى ، أقرب إلى حياة الملائكة ، فلما التقيت بحكيم..
ونكس رأسه ، وأخذ يعصر يديه بيديه ، والجارية وحسَّان وسعيد بن منصور ، وحتى الببغاء كانت تصغي إليه ! ومضى حديثه فقال :
- انقدت إلى حكيم بلا تفكير .. سلمته الزمام فأوردني المورد الحرام .
أتدري يا حسَّان .. إننا نسير في طريق مسدود ، ليس له إلا منفذ واحد ، وهتفت الجارية بهمس أيضًا :
- إلى أين ؟
فتنهد حبيب وهو يدفع ظهره إلى الخلف وقال :
- إلى النار ..
- ثم شبك بين أصابع يديه وأضاف :
- هذا إذا لم يتداركنا الله برحمته .
وسكت حبيب ، وكانت عيون الجارية قد تعلَّقت به تسأله المزيد ، وكان يبدوا كالأسير الذي لا يستطيع الفرار من أسره . ورفع رأسه ، فرأى الجارية تنظر إليه كأنها ترثي لحاله ، فسرَّه ذلك ومضى يقول :
- لقد كنت أعيش في جو مملوء بالرياحين ، كنت في جنة وارفة والظلال أما الآن .. فأنى توجهت تطالعني هوة سحيقة فاغرة فاها تريد أن تبتلعني ، هذه هي المعيشة الضنك التي ذكرها القرآن الكريم } ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا { .
وأقبل أبو محمود ، فأخذ الببغاء إلى غرفة أخرى ثم قال :
- إذا انتهيت من وعظك فآذني ..
فضحك الجميع ضحكة اهتزت لها جنبات الغرفة ، وأراد ابن مسعود أن يجيب ، ولكنه سمع طرقًا خفيفًا على الباب .. فصاح أبو محمود ينادي العبد :
- انظر من الباب ..
وأقبل هذا بعد قليل ، وكان كبير السن تجاوز الخمسين من العمر يرتدي ملابس بيضاء ويضع على رأسه قلنسوة من صنع الأعاجم . وأخذ العبد يشير بيديه وعينيه ، ويتكلم بصوت لا يسمعه أحد من الحاضرين ، حتى خيَّم على الجميع صمت مبعثه الرغبة في معرفة ما يريد أن يقوله العبد .
وسأل أبو محمود وهو ينظر بعينيه الزرقاوين وقال :
- ما الخبر ؟
وعاد هذا يوشوش بصوت مبهم، وهو يؤشر بيده وعينه حتى ظن البعض أن أمرًا خطيرًا قد وقع.
وصاح أبو محمود وقد نفذ صبره :
- تكلم يا رجل .
فكوَّر يديه ، وأحاط بهما فمه ، وأحنى قامته ، وأدنى رأسه وقال :
- لقد حضر يسار ..
وهتف الجميع بصوت واحد :
- من ؟!!
وأجاب مرة أخرى وهو يكوّر يديه ويدني رأسه ، وقال بصوت خافت :
- لقد حضر يسار .
وتغير وجه حبيب بن مسعود ، ونهض منفعلاً وهو يهتف :
- عملتها يا أبو محمود ؟!
وأشار هذا بيده ، وهو ينفي ما دار في خلد حبيب ، وقال :
- ماذا دهاك يا حبيب .. إني والله لا أعلم ما الذي جاء به .
فهدَّأ حبيب بن مسعود ، وسرى عنه بعض ما به ، ولكنه قال :
- إذا أردت أن تدخله ، فيجب أن ننتقل إلى غرفة أخرى ، لأني لا أرغب أن يراني هنا .
وقدح ذهن حكيم بفكرة شيطانية ، وتبسم وهو يقول :
- كما تشاء يا حبيب .
ولما غادر الجميع إلى الغرفة المجاورة ، أشار إلى الجارية أن تبقى ، ثم اقترب منها وقال بهمس :
- لقد سعى الطائر إلى الفخ .
فنظرت إليه مستفهمة وقالت :




يتبع ..

 

 

 

 

 

 

التوقيع

    

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
اعملوا بها وثوابكم عند الله... محمد بن فهد الرجباني :: القسم الإسلامـــي :: 17 03-06-2013 10:37 PM
فضل العشر الأواخر وليلة القدر صادق الود :: الخيمة الـرمضـانـية 1431هـ :: 10 08-09-2010 11:33 AM
حديث: ((من فطَّر صائماً..)) يعم الغني والفقير بنت الذيب :: الخيمة الـرمضـانـية 1431هـ :: 10 04-09-2010 08:58 AM
حسين الدوسري: حديث المتروك جسد مواقف شعب الكويت برجس ناصر البراك :: قسم السياســة والإقتصاد والأخبار :: 0 23-05-2010 01:29 AM

 


الساعة الآن 12:36 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
---