بارك الله فيك أخي الكريم ونفع بما نقلت
كيف تسربت الإسرائيليات إلى التفسير و الحديث ؟
الواقع أن تسرب الإسرائيليات إلى التفسير و الحديث ، مسبوق بتسرب الثقافة الإسرائيلية إلى الثقافة العربية في الجاهلية .
فالعرب في جاهليتهم كان يقيم بينهم جماعة من أهل الكتاب جلهم من اليهود الذين نزحوا إلى جزيرة العرب من قديم ، و الذين هاجروا إليها هجرتهم الكبرى سنة سبعين من ميلاد المسيح عليه السلام ، فرارا من العذاب و النكال الذي لحقهم على يد " طيطس الروماني " .
و قد حمل اليهود معهم إلى جزيرة العرب ما حملوا من ثقافات مستمدة من كتبهم الدينية ، و ما يتصل بها من شروح ، و ما توارثوه جيلا بعد جيل عن أنبيائهم و أحبارهم ، و كانت لهم أماكن يقال لها " المدارس " يتدارسون فيها ما توارثوه من ذلك ، و أماكن أخرى يقيمون فيها عباداتهم و شعائر دينهم .
و كان للعرب في جاهليتهم رحلات يرحلونها مشرقين و مغربين ، و كانت لقريش - كما يحدثنا القرآن - رحلتان : رحلة الشتاء إلى اليمن ، و رحلة الصيف إلى الشام ، و في اليمن و الشام كثير من أهل الكتاب معظمهم من اليهود ، و بديهي أنه كانت تتم بين العرب و اليهود الذين كانوا يستوطنون هذه البلاد لقاءات ، و لا شك أن هذه اللقاءات - سواء ما كان منها في جزيرة العرب و ما كان خارجا عنها - كانت عاملا قويا من عوامل تسرب الثقافة اليهودية إلى العرب الذين كانت ثقافتهم حينئذ - بحكم بداوتهم و جاهليتهم - محدودة ضيقة .
و لا شك أيضا أن استمداد العرب من الثقافة اليهودية حينئذ كان محدودا و ضيقا كذلك ، لأن ضيق الأفق الثقافي للعرب قبل الإسلام لا يمهد لتلاحم ثقافي واسع و لا يشجع عليه .
ثم جاء الإسلام ، وجاء كتابه الخالد بعلومه و تعاليمه ، و كانت دعوة الإسلام أول ما ظهرت و انتشرت بين سكان الجزيرة العربية ، و كانت عاصمة الإسلام دار الهجرة " المدينة " ، و في مسجد المدينة كانت تعقد مجالس رسول الله صلى الله عليه و سلم لتعليم أصحابه ، و في المدينة ، و ما حولها ، و على بعد منها كانت تقيم طوائف يهودية كبني قينقاع ، و بني قريظة ، و بني النضير ، و يهود خيبر ، و تيماء ، و فدك .
و كانت - بحكم هذا الجوار بين اليهود و المسلمين - تتم لقاءات بينهم ، لا تخلو - عادة - من تبادل العلوم و المعارف ، كان النبي صلى الله عليه و سلم يلقى اليهود و غيرهم من أهل الكتاب ليعرض عليهم دينه و كان اليهود يلقون رسول الله صلى الله عليه و سلم ليحكموه فيما شجر بينهم ، أو ليسألوه عن بعض ما يعن لهم السؤال عنه ، إما تحديا و تعجيزا ، و إما امتحانا و اختبارا لصدق نبوته ، و قد حكى القرآن الكريم كثيرا من ذلك .
و كذلك كانت تتم لقاءات بين بعض المسلمين و بعض اليهود ، و تدور فيها مناقشات و مجادلات ، و تقع فيها سؤالات و استفسارات ، ثم كان هناك ما هو أهم من هذا كله ، و هو دخول جماعات من علماء اليهود و أحبارهم في الإسلام كعبد الله بن سلام ، و عبد الله بن صوريا ، و كعب الأحبار و غيرهم ممن كانت لهم ثقافات يهودية واسعة ، و كانت لهم بين المسلمين مكانة مرموقة و مركز ملحوظ ، و بهذا كله التحمت الثقافة الإسرائيلية بالثقافة الإسلامية بصورة أوسع ، و على نطاق أرحب .
و إذا نحن نظرنا إلى المناحي الثقافية للدولة الإسلامية وجدنا الكثير منها قد تأثر بالثقافة اليهودية : فالتاريخ و ما ألف فيه من مؤلفات ، نقرؤه و نتصفح الكثير من هذه المؤلفات ، فنجد بعضها قد عني عناية واضحة بذكر تاريخ بني إسرائيل و أنبيائهم و ما جرى بينهم و لهم من حوادث ووقائع ، و بعض ما ذكر من ذلك لا أصل له ، كما فعل ابن جرير الطبري في تاريخه ، و كما فعل ابن كثير أيضا .
و علوم الجدل و الكلام تأثرت بالإسرائيليات أيضا ، نتصفح ما بين أيدينا من كتب الجدل و المذاهب الكلامية فنجد بعض ما فيها من معتقدات لبعض الفرق قد تسرب لها عن طريق اليهود ، فابن الأثير يحدثنا في تاريخه عن أحمد بن أبي دؤاد : " أنه كان داعية إلى القول بخلق القرآن و غيره من مذاهب المعتزلة ، و أنه أخد ذلك عن بشر المريسي ، و أخذه بشر عن الجهم بن صفوان ، و أخذه جهم عن الجعد بن درهم ، و أخذه الجعد عن أبان بن سمعان ، و أخذه أبان عن طالوت ابن أخت لبيد بن الاعصم و ختنه ، و أخذه طالوت عن لبيد بن الاعصم الذي سحر النبي صلى الله عليه و سلم ، و كان لبيد يقول بخلق القرآن " .
و قال أبو منصور البغدادي صاحب الفرق بين الفرق : أن عقيدة السبئية في أن عليا - رضي الله عنه - لم يقتل لكنه رفع إلى السماء كما رفع عيسى ابن مريم ، ضلالة فرخها في الأصل عقل عبد الله بن سبأ اليهودي ، ثم نشرها و روج لها بين أصحابه ، فزعم " أن المقتول لم يكن عليا ، و إنما كان شيطان تصور للناس في صورة علي ، و أن عليا صعد إلى السماء كما صعد إليها عيسى ابن مريم عليه السلام و قال : كما كذبت اليهود و النصارى في دعواها قتل عيسى . كذلك كذبت النواصب و الخوارج في دعواها قتل علي ، و إنما رأت اليهود و النصارى شخصا مصلوبا شبهوه بعيسى ، كذلك القائلون بقتل علي رأوا قتيلا يشبه عليا فظنوا أنه علي ، و علي قد صعد إلى السماء ، و أنه سينزل إلى الدنيا و ينتقم من أعدائه " .
و التفسير و الحديث ، كلاهما تأثر إلى حد كبير بثقافات أهل الكتاب على ما فيها من أباطيل و أكاذيب ، و كان للإسرائيليات فيها أثر سيء ، حيث تقبلها العامة بشغف ظاهر ، و تناقلها بعض الخاصة في تساهل يصل - أحيانا - إلى حد التسليم بها على ما فيها من سخف بين و كذب صريح ، الأمر الذي كاد يفسد على كثير من المسلمين عقائدهم و يجعل الإسلام في نظر أعدائه دين خرافة و ترهات .
والله أعلم